محمد سعيد الطريحي

48

الشيعة في العصر المغولي ( 932 - 1274 ه‍ )

لمؤرخ الدولة المغولية الشهير مير عبد الرزاق خافي خان المعروف بصمصام الدولة شاه نواز خان ( 1111 - 1171 ه ) كان الملك أكبر يبذل جهودا كبيرة في تنفيذ الأحكام الشرعية ، والتأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كان يؤذّن بنفسه ، ويؤم الناس في الصلاة ، حتى إنه كان يكنس المسجد ، احتسابا وطلبا لمرضاة اللّه . وكل تلك الأخبار عن تدين أكبر مستقاة من مصادر سنية لا سيما عن معاصره العالم السني عبد القادر البدايوني ، ولكن ما الذي دعا الكتاب السنة بشكل خاص ان يحولوا نظرتهم ويغيروا رأيهم في هذا الإمبراطور المسلم المتسامح ، الذي كانت حياته تفيض بالنشاط العقلي ، وهو الذي ملأ الهند مآثر ومفاخر ، وأدار السلطنة الاسلامية إدارة قلّ من سدد لمثلها في الأوائل والأواخر حتى جعلت بفردج egdireveB . S . A أن يعدّ إدارته الحازمة مثلا لم يتكرر وأنها في مستوى أرقى من إدارة ملكة الإنجليز في ذلك العهد ، ولا شك ان هذا التحول في النظرة إلى الإمبراطور أكبر هو اعتناقه المذهب الشيعي وتقريبه لعلماء الشيعة الذين حفل بهم بلاطه وبلاده وسنأتي على عدد منهم بعد الانتهاء من ترجمتنا لأكبر ، وهكذا اتخذ من تشيعه وصمة لأن التشيع بزعم هؤلاء المتعصبين خرج به عن جادة الصواب الذي يعنونه مع أن التشيع كما لا يخفى يقتضي الاسلام الأصيل لأن الشيعة لم يخرجوا قط عن كونهم مسلمين ، بل لقد كان والده همايون نفسه شيعيا وجاء بعد همايون أكبر ونشأ في وسط أكثره من القادة الشيعة وبفضل هؤلاء استتب له العرش ثم إنه كان في ذاته بعيدا عن التعصب الذميم متمسكا بروح الدين الاسلامي ولهذا عامل جميع أهل الديانات في بلاده معاملة متسامحة كريمة وحارب التمييز بين الناس في الحقوق بسبب الدين ثم إنه بسبب تشيّعه قرب إليه علماء الشيعة كما تقدم وكان من الطبيعي أن تثار ضده كل تلك الضجة من العلماء المتعصبين وخاصة من الشيخ عبد اللّه السلطانبوري والشيخ عبد النبي بن أحمد الكنكوهي اللذان عفا عنهما واخرجهما للحجاز ، كما اخرج القاضي جلال الدين الملتاني إلى أرض الدكن ونقل محمد بن المنتخب الامر هوي إلى حكومة بكر وسيوستان ، وكان بامكان أكبر وهو السلطان المقتدر ان يسئ معاملتهم أو حتى قتلهم جراء ومؤامرتهم ضده لكنه خفض لهم جناح الرحمة فأبعدهم بهدوء كما هي عادته في التسامح مع معارضيه أو من اختلف معه من سائر الأديان الأخرى .